الحكيم الترمذي

79

كيفية السلوك إلى رب العالمين

صارت سيئات في المقادير حتى ظهرت النفوس ، فأعرضت عن اللّه ، وأقبلت على شهواتها ألا ترى أنهم إذا صاروا إلى الجنة حاضره اللّه في محاسنته محاضرة . فقال صلى اللّه عليه وسلم : « أتذكر غدرتك وفجرتك يوم كذا ؟ » « 1 » ، فلا يحتشم العبد من ذكرها في الجنة ، صار أمر العباد إلى الأمر الذي كان في البدء قبل المقادير ؛ لأن المقادير وقت الابتداء والعبودة ، فلما انتهى الابتلاء منتهاه ، وزالت العبودة ، عاد الأمر إلى منتهاه ، وانكشف سرّ القدر الذي طواه عنهم أيام الدنيا ، فكذلك تمنى العبد أنه كان استكثر من السيئات ، وإنما طوى اللّه علم القدر عن الأنبياء والرسل فمن دونهم ، وعن الملائكة لئلا يفتتنوا ، وذلك علم استأثر اللّه به رحمة على عباده ، فكان من عظيم منّة اللّه عليهم في الدنيا أن طواها عنهم ، ومن عظيم منّته عليهم في الآخرة أن يسترها عليهم ، وأن سرّ القدر جهار الإيمان ، فتبحبح أهل الجنة في خبائهم مع ذكر ما كان في حشو الدنيا من العجائب بسرّ القدر قد سقطت الحشمة عنهم ، ومثل ذلك مثل رجل له ولد وهو به ضنين ، وبه معجب ، وعليه مشفق ، قد أعدّ له في خزائنه ما لا يحتمله اليوم لصباه وضعف عقله ، فهو يدر عليه من الرزق ما يصلح به على قدر احتماله ، ولو بسط عليه لأفسده ، وقدّره فهو يقدّر ذلك عليه تقديرا ، حتى إذا أدرك مدرك الرجال واحتمل الكل حد أبيه زوّجه ، ثم جهزه من خزانته التي أعدّ له ، فكان محتملا لذلك ، وقبل ذلك كان لا يأمن أن يفسده ويضيعه ، فكذلك المؤمنون في الدنيا لا يحتملون كل أخبارهم التي طوى عنهم ولو أخبروا لافتتنوا فإذا صاروا إلى الآخرة قووا على احتمالها ، فدخلوا الجنة مع الإيمان ، وجهاز الإيمان . ولهذا روي في الخبر : « إن للّه سرّا لا يعلمه أحد ولو أفشاه لفسد الخلق ، وللأنبياء - صلوات اللّه وسلامه عليهم - سرّا لو أفشوه لفسدت النبوّة ، وللعلماء سرّا لو أفشوه لفسد العامة ، وللملوك سرّا لو أفشوه لفسد ملكهم » « 2 » ، قال : حدّثنا بذلك الفضل بن محمد عن سفيان بن عيينة . ولهذا روي عن الشعبي عن عكرمة أنه سئل عن الحروف المقطّعة نحو : « كهيعص » و « يس » و « حم » و « طه » و « طس » و « ق » ، وما أشبه ذلك فقال : هن من

--> ( 1 ) رواه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول في مرتبة روح المؤمن [ 1 / 101 ] . ( 2 ) أورده الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ، في ما يعدونه صدق الحديث ، [ 1 / 234 ] .